علي بن أحمد المهائمي
462
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
بالتحديد لزم أن يكون زمان العدم عين زمان الوجود ، وهما متحدان معا مع أنه اعتراف بمذهب النظام ، وإن قلنا : إنه مع اتحاد الزمان لزم اجتماع الوجود والعدم في شيء واحد في زمان واحد ، والتزم بعضهم فيه القول بالحركة في زمن واحد ، وبعضهم عدل إلى القول بطيء المسافة ، وبعضهم إلى القول بالظفرة ، لكن الكل محال على ما يأتي ( إلا عند من عرف ما ذكرناه في قصته ) من أنه تحديد في زمان واحد محمقين مختلفين من غير انتقال ؛ فلذلك رآه مستقرّا غير مستقبل ، وإذا كان التجديد ( حاصلا لأجزاء العالم كله ما لآصف من الفضل في ذلك ) التحديد من حيث هو تحديد ، فإنه يحصل بدون قصده أبدا ، فلا فضل له ( إلا حصول التجديد في مجلس سليمان ) ، فإنه كان يقصده على خرق العادة بخرقها بالتحديد في المكان الأول إن كان ساكنا ، أو المكان المنتقل إليه إن كان متحركا إما مع السكون في مكانه الأول ، فلم يكن التحديد في مكان آخر عادة ، وإذا كان كذلك ، ( فما قطع مسافة العرش ) بعيدة في زمان واحد حتى يشكل بالحركة الممتدة في زمان واحد ، ( ولا زويت الأرض ) إلا لزوي دارها مع عرشها ، ( ولا خرقها ) أي : حصلت له الظفرة التي يقول بها النظام ، لكنه إنما يقال ( لمن فهم ما ذكرناه ) من تحديده في زمان واحد في مكان آخر مع اجتماع الوجود والعدم عليه باعتبارين ، ومن استحالة بقية الاحتمالات بما ذكرنا . ثم أشار إلى سر ظهوره ( على يدي بعض أصحابه ) مع أن ظهور الخوارق على يديه أولى ، فقال : ( وكان ذلك ) أي : حصول عرش بلقيس مستقرا عند سليمان في زمان عدمه عن مكانه ( على يدي بعض أصحاب سليمان ؛ ليكون أعظم ) وقعا ( لسليمان عليه السّلام في نفوس الحاضرين من بلقيس وأصحابها ) ، بأنه إذا كان لبعض أصحابه هذه الرتبة العظيمة في إظهار الخوارق ، فأين رتبته في ذلك ، فيتأكد بذلك أمر نبوته مع أنه يدل على أنه إنما حصل له بتركه متابعته لسليمان ، فلو تبعناه ربما حصل لنا مثل هذه الرتبة . ( وسبب ذلك ) أي : اختصاص سليمان لظهور مثل هذه الخوارق على يدي بعض أصحابه دون أكثر الأنبياء عليهم السّلام ( كون سليمان عليه السّلام هبة اللّه لداود ) ، فيكون كمالا لنبوته ، وثبوت النبوة بظهور الخوارق على يدي النبي ، فكمالها يكون بظهورها على يدي بعض أصحابه عن متابعته وتكميله إياه ( من قوله تعالى : وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ ) [ ص : 30 ] ، والهبة الإلهية للشخص لا بدّ وأن تفيده كمالا فوق الكمال المستحق له من ذاته أو من أعماله ، سيما إذا انتسبت إلى نون التعظيم ؛ وذلك لأن ( الهبة ) الإلهية ( إعطاء الواهب ) من أسمائه تعالى ( بطريق الإنعام ) الذي ليس في مقابلة شيء ولا أداء حق .